عبد العال سالم مكرم
135
من الدراسات القرآنية
على أن ابن قتيبة في كتابه « تأويل مختلف الحديث » تعرض لهذا التناقض مدلّلا على أن كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لا تناقض فيه لأنه كلام معصوم لا ينطق عن الهوى . قال ما نصه : « قالوا : أحاديث متناقضة . قالوا : رويتم عن همام عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدرىّ قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لا تكتبوا عنى شيئا سوى القرآن . فمن كتب عنى شيئا فليمحه » . ثم رويتم عن ابن جريج عن عطاء عن عبد اللّه بن عمرو قال : قلت يا رسول اللّه : أقيد العلم ؟ قال : نعم قيل : وما تقييده ؟ قال : كتابته . ورويتم عن حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن جده قال : قلت يا رسول اللّه : أكتب كل ما أسمع منك ؟ قال : نعم . قلت : في الرضا والغضب ؟ قال : نعم ، فإني لا أقول في ذلك كله إلا الحق . قالوا : وهذا تناقض واختلاف . ويرد ابن قتيبة على هذه الدعوى الباطلة بقوله : قال أبو محمد ، ( كنية ابن قتيبة ) : ونحن نقول : إن في هذا معنيين : أحدهما : أن يكون منسوخ السنة بالسنة ، كأنه نهى في أول الأمر عن أن يكتب قوله . ثم رأى بعد ما علم أن السنن تكثر - وقد تفوت بالحفظ - أن تكتب وتقيّد . والمعنى الآخر : أن يكون خص بهذا عبد اللّه بن عمرو ، لأنه كان قارئا للكتب المتقدّمة ، ويكتب بالسّريانية والعربية ، وكان غيره من الصحابة أميين لا يكتب منهم إلا الواحد والاثنان ، وإذا كتب لم يتقن ، ولم يصب التهجي ، فلما خشي عليهم الغلط فيما يكتبون نهاهم ، ولما أمن على عبد اللّه بن عمرو ذلك أذن له » « 1 » . * وحقيقة لقد أصاب ابن قتيبة المحزّ في الرد الصائب ، والإجابة المقنعة . ونضيف إلى رأى ابن قتيبة رأيا آخر لا يقل وجاهة عنه وهو رأى الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي المتوفى نحو سنة 360 ه حيث يقول في معرض الرّد على هذه الدعوى الكاذبة
--> ( 1 ) تأويل مختلف الأحاديث لابن قتيبة .